عبد الرحمن بدوي
تصدير 19
الأفلاطونية المحدثة عند العرب
قد نص ابن النديم على أن أبا على ابن زرعة نقل منه « شيئا يسيرا عربيا » ، كما نص على أنه موجود بالسريانى . ونعتقد أن أخطر حجة تستخدم في البحث التاريخي هي حجّة الصمت ، ولذا نرى استبعادها قدر المستطاع ، خصوصا والاكتشافات تتوالى كلّ يوم وتدلّنا على أن حجة الصمت لا قيمة لها أبدا . ولهذا أيضا لا نرى قيمة لاحتجاج الأب ألونسو بصمت ابن رشد عن ذكر كتاب « الخير المحض » للتدليل على أن ابن رشد كان يجهل نسبة هذا الكتاب إلى أرسطو . فابن رشد - في كل ما راجعناه من كتبه - لم يذكر « أثولوچيا أرسطوطاليس » هذا الكتاب المشهور الذي ذكره الفارابي وشرحه ابن سينا « 1 » . ونفسّر نحن صمت ابن رشد عن ذكره بأنه أدرك بنافذ معرفته لمذهب أرسطو أن الكتاب منحول عليه ، كما أن « أثولوجيا » منحول عليه ، فأغفل ذكرهما والإفادة منهما وهو بمعرض شرحه لأرسطو . على أنه سواء لدينا أترجم كتاب « عناصر الثاؤلوجيا » لأبرقلس ، أم لم يترجم إلى العربية ، فإن هذا الأمر لا يؤثر فيما ذهبنا إليه من أن كتاب « الخير المحض » هو كتاب « الخير الأوّل » الذي ذكره ابن النديم . وعدم ذكر ابن النديم لمترجم عربى له لا يدلّ أبدا على أن الكتاب لم يترجم إلى العربية ، لمّا بيّنا من عدم قيمة حجة الصمت هنا . فالكتاب : « الخير الأوّل » قد ترجم إلى العربية ، وهذه الترجمة هي الواردة بعنوان « الخير المحض » . 4 - وهنا يأتي سؤال رابع وهو : لما ذا لم يذكره الفارابي وابن سينا ؟ والسؤال هنا لا يقتصر على هذا الكتاب وحده من بين كتب برقلس ، بل لا بد أن يشمل سائر كتبه . فمن يحق له أن يسأل هذا السؤال ، يجب عليه أن يسأل نفسه أيضا : لما ذا لم يذكر الفارابي وابن سينا - فيما نعرف حتى الآن من كتبهما - أبرقلس وبعض كتبه التي ترجمت من غير شك إلى العربية ؟
--> ( 1 ) راجع كتابنا « منطق أرسطو » ص 31 - ص 33 من المقدمة ، وراجع كراوس : « أفلوطين عند العرب » مقال مستخرج من مضبطة المعهد المصري المجلد رقم 23 جلسة سنة 1940 - 1941 ، القاهرة سنة 1941 .